القاضي النعمان المغربي
406
المجالس والمسايرات
على أكثر من ذلك والاعتراف بالعجز والتقصير عمّا يبلغ به كنه شكر أقلّ أنعمه علينا فيما أعطاناه ومنحناه وتفضّل علينا به ؟ ثمّ قال لهم : وهل تستطيعون « 1 » أنتم أن تبلغوا من شكر هذا الشيخ الذي عرّفكم بنا ووصل / أسبابكم بأسبابنا على بعد ما بيننا وبينكم ونزوح دياركم عن ديارنا حتّى رأيتمونا وشافهتمونا ونلتم فضلنا وحللتم محلّ الأبناء منّا ، على أكثر من الدعاء والإقرار بالعجز عن شكر ما كان إليكم في ذلك منه ؟ قالوا : هو كما قال أمير المؤمنين ( صلع ) ، وقبّلوا الأرض مرارا شكرا لما قاله لهم وما كان من فضله إليهم ووصفوا سرور ذلك الداعي وابتهاجه وفرحه بهم إذا قدموا عليه من حضرة أمير المؤمنين ( صلع ) ، وقال أقربهم عهدا به : لقد تلقّاني عندما اتّصل به قدومي من الحضرة مذ سرت ، راجلا في يوم حارّ شديد الحرّ خارجا عن المدينة التي هو بها ، فلمّا التقيت / معه مال إلى جدار خربة واعتزلنا عن الناس ، فقال لي : رأيت وليّ اللّه ؟ قلت : نعم ! فالتزمني وجعل يقبّل عينيّ تقبيلا خفت عليهما من شدّته ، وأنا أقبّل يديه ورجليه ، وهو كذلك يقبّل عينيّ ويضمّني إلى صدره حتّى مضت ساعة من النهار ولا يزيد على ذلك ، وهو يبكي فرحا بما بلغه عن وليّ اللّه ، واشتياقا إليه . ثمّ جعل يسألني عن حاله وأخباره وأنا أخبره ، وهو قائم حتّى لقد خشيت عليه من شدّة الحرّ ، وقلت له مرارا : يا سيّدي ، نصل إلى مكانك ونجلس ونتحدّث معك ، فلم « 2 » يقبل ذلك منّي ، بل جعل يسألني ويستفهمني . فقال له أمير المؤمنين : هذا وما / هو عليه من صدق الولاية وحسن النيّة الذي بان به عن غيره ، وفضّله على من سواه من أمثاله فأقبلت قلوبنا عليه « 3 » . ولو لم يكن له عند اللّه من السعادة ما يرضيه ، لما فتح اللّه له في ذلك ولا وفّقه إليه ولا وفّقنا لاختياره . وقد جهد من نازعه الأمر وطلب مكانه عندنا « 4 » ، في أن نقصيه عنّا
--> ( 1 ) في الأصل : يستعتبون ، والاصلاح من ب . وسيأتي المفعول مسبوقا « بعلى » زائدة : على أكثر من الدعاء . . ( 2 ) في « أ » و « ب » : فلا . ( 3 ) في « أ » و « ب » : وأقبل بقلوبنا عليه . ( 4 ) ب : وطلب الأمر مكانه عنده .